فخر الدين الرازي
395
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 168 ] وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 168 ) واعلم أن قوله : وَقَطَّعْناهُمْ أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 167 ] المراد جملة اليهود ، ومعنى قَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم تفريقاً شديداً . فلذلك قال بعده : فِي الْأَرْضِ أُمَماً وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة ، وهذا هو الغالب من حال اليهود ، ومعنى قطعناهم ، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم . ثم قال : مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق . وقال ابن عباس ومجاهد : يريد الذين أدركوا النبي صَلَّى اللّه عليه وسلم وآمنوا به وقوله : وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ أي ومنهم قوم دون ذلك ، والمراد من أقام على اليهودية . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله : وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ من يكون صالحاً إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب . قلنا : أن قوله بعد ذلك : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح . أما قوله : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ أي عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات ، وهي النعم والخصب والعافية ، والسيئات هي الجدب والشدائد ، قال أهل المعاني : وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة ، أما النعم فلأجل الترغيب ، وأما النقم فلأجل الترهيب . وقوله : يَرْجِعُونَ يريد كي يتوبوا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 169 إلى 170 ] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 169 ) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) اعلم أن قوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ظاهره أن الأول ممدوح . والثاني مذموم ، وإذا كان كذلك ، فيجب أن يكون المراد : فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف . قال الزجاج : الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك ، فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجيء في إثر قرن خلف ، ويقال فيه أيضاً خلف ، وقال أحمد بن يحيى : الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء ، وخلف للسوء لا غير . وحاصل الكلام : أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف قد يذكر في الصالح وفي الرديء ، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد . وبقيت في خلف كجلد الأجرب